الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

21

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

وأطلقت الإثارة هنا على قلب تراب الأرض بجعل ما كان باطنا ظاهرا وهو الحرث ، قال تعالى : لا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ [ البقرة : 71 ] ، وقال النابغة يصف بقر الوحش إذا حفرت التراب : يثرن الحصى حتى يباشرن برده * إذا الشمس مجّت ريقها بالكلاكل ويجوز أن يكون أَثارُوا هنا تمثيلا لحال شدة تصرفهم في الأرض وتغلبهم على من سواهم بحال من يثير ساكنا ويهيجه ، ومنه أطلقت الثورة على الخروج عن الجماعة . وهذا الاحتمال أنسب بالمقصود الذي هو وصف الأمم بالقوة والمقدرة من احتمال أن تكون الإثارة بمعنى حرث الأرض لأنه يدخل في العمارة . وضمير أَثارُوا عائد إلى ما عاد إليه ضمير كانُوا أَشَدَّ . ومعنى عمارة الأرض : جعلها عامرة غير خلاء وذلك بالبناء والغرس والزرع . يقال : ضيعة عامرة ، أي : معمورة بما تعمر به الضياع ، ويقال في ضده : ضيعة غامرة . ولكون قريش لم تكن لهم إثارة في الأرض بكلا المعنيين إذ كانوا بواد غير ذي زرع لم يقل في هذا الجانب : أكثر مما أثاروها . وضميرا جمع المذكر في قوله : وَعَمَرُوها أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوها راجع أولهما إلى ما رجع إليه ضمير أَثارُوا وثانيهما إلى ما رجع إليه ضمير يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ . ويعرف توزيع الضميرين بالقرينة مثل توزيع الإشارة في قوله تعالى : هذا مِنْ شِيعَتِهِ وَهذا مِنْ عَدُوِّهِ في سورة [ القصص : 15 ] كالضميرين في قول عباس بن مرداس يذكر قتال هوازن يوم حنين : عدنا ولولا نحن أحدق جمعهم * بالمسلمين وأحرزوا ما جمّعوا وتقدم تفصيله عند قوله تعالى : فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ في سورة يونس [ 58 ] ، أي عمر الذين من قبلهم الأرض أكثر مما عمرها هؤلاء ، فإن لقريش عمارة في الأرض من غرس قليل وبناء وتفجير ولكنه يتضاءل أمام عمارة الأمم السالفة من عاد وثمود . وتفريع فَما كانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ على قوله وَجاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ إيجاز حذف بديع ، لأن مجيء الرسل بالبينات يقتضي تصديقا وتكذيبا فلما فرع عليه أنهم ظلموا أنفسهم علم أنهم كذّبوا الرسل وأن اللّه جازاهم على تكذيبهم رسله بأن عاقبهم عقابا لو كان لغير